لطالما كان اضطراب طيف التوحد لغزًا علميًا محيّرًا. فحتى اليوم، لا يوجد دواء قادر على علاج الأعراض الأساسية للحالة، مثل صعوبات التواصل الاجتماعي واللغة، أو السلوكيات النمطية المتكررة. ومع ارتفاع معدلات التشخيص عالميًا، يتزايد الضغط لإيجاد تدخلات تتجاوز إدارة الأعراض السلوكية، وتستهدف الآليات البيولوجية الكامنة خلف التوحد نفسه.

أحد أكثر المسارات البيولوجية التي جذبت اهتمام الباحثين في السنوات الأخيرة هو أيض الفولات Folate metabolism وهو نظام كيميائي حيوي يعتمد على فيتامينات مجموعة B ، ويلعب دورًا أساسيًا في نمو الدماغ ووظيفته. الفولات ضروري لتكوين الحمض النووي، وتنظيم نشاط الجينات، وإنتاج النواقل العصبية، والحماية من الإجهاد التأكسدي. أي خلل في هذا المسار، خصوصًا خلال فترات النمو المبكرة، قد تكون له آثار طويلة الأمد على تطور الجهاز العصبي.

المثير للاهتمام أن معظم الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد لا يعانون من نقص فولات في الدم. لكن الدراسات تشير إلى وجود مشكلة مختلفة وهي أن الفولات لا يصل إلى الدماغ بالكفاءة المطلوبة. في الحالة الطبيعية، يُنقل الفولات إلى الدماغ عبر مستقبل خاص يُعرف باسم مستقبل الفولات-ألفا، الموجود في منطقة تُسمى الضفيرة المشيمية. إلا أن بعض الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد يملكون أضدادًا مناعية تهاجم هذا المستقبل، ما يعرقل دخول الفولات إلى الجهاز العصبي المركزي حتى عندما تكون مستوياته طبيعية في الجسم.

هنا يظهر حمض الفولينيك كحل محتمل. وهو شكل نشط من الفولات يمكنه تجاوز بعض هذه العوائق والدخول مباشرة في الدورة الحيوية للفولات. بعكس حمض الفوليك الشائع في المكملات الغذائية، لا يحتاج حمض الفولينيك إلى تحويل إنزيمي معقد، ما يجعله أكثر فاعلية في حالات الخلل الأيضي.

أجريت العديد من التجارب السريرية الصغيرة ولكنها محكمة بهدف كشف الحقيقة. في واحدة من أبرز هذه الدراسات، تلقى أطفال مصابون باضطراب طيف التوحد واضطرابات لغوية جرعات مرتفعة نسبيًا من حمض الفولينيك لمدة 12 أسبوعًا. كانت النتيجة تحسّن ملحوظ في اللغة والتواصل اللفظي مقارنةً بالأطفال الذين تلقوا علاجًا وهميًا. والأهم أن الأطفال الذين كانت لديهم أضداد مستقبل الفولات أظهروا استجابة أكبر، ما يشير إلى أن هذا العلاج قد يكون مناسبًا لفئة محددة من الأطفال، وليس للجميع.

لم تتوقف الفوائد المحتملة عند اللغة فقط. دراسات أخرى رصدت تحسنًا في التفاعل الاجتماعي، والسلوك التكيفي، وحتى في بعض السلوكيات الإشكالية مثل فرط الحركة والاندفاع. وعلى عكس كثير من التدخلات التجريبية، بدا حمض الفولينيك آمنًا نسبيًا، مع آثار جانبية محدودة لم تختلف كثيرًا عن العلاج الوهمي.

الجانب الأكثر إثارة يأتي من علم الوراثة. فبعض الأطفال يحملون طفرات شائعة في جينات مسؤولة عن أيض الفولات، مثل MTHFR وMTR وMTRR .

هذه الطفرات تقلل من كفاءة المسارات الكيميائية التي تعتمد على الفولات، ما قد يؤدي إلى اضطرابات في مثيلة الحمض النوويDNA Methylation  وزيادة الإجهاد التأكسدي. دراسة حديثة أُجريت في الصين وجدت أن الأطفال الذين يحملون بعض هذه الطفرات استفادوا أكثر من مكملات حمض الفولينيك، ما يفتح الباب أمام فكرة العلاج المخصص في طيف التوحد حيث يُحدد التدخل بناءً على الخصائص البيولوجية لكل طفل.

مع ذلك، يحذر الباحثون من القفز إلى استنتاجات متفائلة أكثر من اللازم. فمعظم الدراسات ما تزال محدودة الحجم وقصيرة المدى، ولا نعرف بعد ما إذا كانت الفوائد تستمر على المدى الطويل، أو ما هي الجرعة المثلى التي توازن بين الفعالية والسلامة. كما أن التوحد اضطراب شديد التنوع، ومن غير المرجح أن يستجيب جميع الأطفال لنفس التدخل، مهما بدا واعدًا.

الأهم أن حمض الفولينيك ليس علاجًا للتوحد، ولا ينبغي تقديمه على هذا الأساس. لكنه يمثل مثالًا مهمًا على تحول في طريقة التفكير: بدل البحث عن حل واحد يناسب الجميع، يتجه العلم نحو فهم الفروق البيولوجية الدقيقة داخل الطيف نفسه، ومحاولة التدخل حيثما يكون الخلل واضحًا وقابلًا للتعديل.

في عالم طيف التوحد، حيث كثير من العائلات تبحث عن أمل يستند إلى العلم لا إلى الوعود، قد لا يكون حمض الفولينيك هو الجواب النهائي. لكنه يذكّرنا بأن أحيانًا، التقدم الحقيقي لا يأتي من اكتشافات صاخبة، بل من إعادة النظر في مسارات بيولوجية قديمة ورؤية كيف يمكن لتعديل صغير في كيمياء الدماغ أن يُحدث فرقًا ملموسًا في حياة بعض الأطفال.

المراجع

https://link.springer.com/article/10.1007/s00431-024-05762-6

https://www.mdpi.com/2072-6643/17/9/1602

https://www.nature.com/articles/mp2016168

https://onlinelibrary.wiley.com/doi/10.1002/jdn.10402